منتدى الجنوب التعليمي
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.أخي أختي يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام إلى اسرة المنتدي سنتشرف بتسجيلك في منتدى الجنوب التعليمي للجزائريين والعرب.

منتدى الجنوب التعليمي


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

إلا رسول الله

شاطر | 
 

 شرح دليل المفتش التربوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو محمد
رئيس المنتدى


البلد : الجزائر
ذكر
عدد المساهمات : 6250
نقاط : 25778
تاريخ الميلاد : 06/04/1980
تاريخ التسجيل : 24/06/2009
العمر : 36
الموقع : http://educsud.ahlamontada.com/portal.htm

مُساهمةموضوع: شرح دليل المفتش التربوي    السبت 26 فبراير 2011 - 20:35

المراقبة والمعرفة:
قراءة في دليل التفتيش التربوي
أحمد فرشوخ
نسعى، في هذه المقالة، لإعادة قراءة
المراقبة التربوية بالمغرب، أي لإعادة بناء الموضوع المتعلق بهذا الحقل
وفق معطيات مستجدة في الوصف والتحليل. ومن ثم لزوم تحويل النصوص والوقائع
من وضعية المعطى إلى وضعية التشييد، انطلاقا من أن الظاهرة العلمية بناء
نسقي يجانب المعرفة العفوية لما يشوبها من أعراض الذاتية والمذهبية
والأحكام المسبقة، وانطلاقا أيضا من كون إنجازات التوثيق والوصف والضبط
والتصنيف لحظات حاسمة في بناء المعرفة بالموضوع، لأنها معابر نحو طرح
الإشكالية التي هي أساس كل معمار علمي. وهذا ما يدعو إلى افتراض أن
المراقبة المنبثقة عن التفتيش التربوي بنية معقدة (بالمعنى
الإبيستيمولوجي) في تكوينها وتكونها. وبالتالي سيرورة لها وضع دينامي
متواصل ومتنام باستمرار.

ضمن هذا الأفق، إذن، يمكن استثمار كتاب دليل التفتيش التربوي(*) للأستاذ إبراهيم الباعمراني، باعتباره مرجعا موثوقا يدعو إلى قراءة مدونة (متن) corpus
متنوعة من النصوص التشريعية والمذكرات الوزارية والوثائق القانونية،
والأدبيات التربوية، ليحفز من ثمة على تشخيص ومقاربة بنياتها العميقة من
خلال علامات التشاكل والتباين، وعبر خطاباتها الضمنية والتقريرية.

إن "الدليل" –بشكل عام- نوع من التآليف
المميزة والنادرة في ثقافة الكتاب وتاريخه، ينتمي لصنف المؤلفات المرجعية
المستوعبة للفهارس والموسوعات وقواميس الأعلام والبيبليوغرافيات
والأنطولوجيات، ومختصرات المهن والعلوم والشعوب. وهي ذات تقاليد متنوعة
وقديمة في العمل اليومي والسلوك القرائي والبحث العلمي لدى شعوب الكتاب.

بهذا المعنى إذن، يكون "دليل التفتيش
التربوي" مؤلفا مرجعيا ومهنيا، يتطلب معالجة أفقية وعمودية. إذ خلف تباين
التواريخ واختلافات الإمضاء، وتمايز العبارات والمفاهيم، يلزم البحث عن
منظومة ضمنية تشكل الإطار الدلالي لحقل التفتيش التربوي, لذا سيكون من باب
الاختزال، التفكير في أن غاية الكتاب تكمن في وضع توثيق مغلق للمهنة، أو
الاقتصار على وصف حرفي للنصوص والمذكرات.

وإذا كان هذا المؤلف يسد فراغا من جهة حصر
وتصنيف المدونة التشريعية والقانونية، فهو أبعد من ذلك، يحفز على بناء
وتدقيق حقل تربوي مازال ينتظر المزيد من البحث لبنينة خصوصيته، واختبار
صدقيته الإبستمولوجية. فضلا عن قراءة تكون البنيات وتعاقبها. إذ لربما حان
الأوان للتفكير في "تاريخ" التفتيش التربوي بالمغرب، ومقارنته بالتواريخ
الأخرى في الأنظمة التربوية العربية والغربية. وهو من التواريخ الصغرى
التي لا يكاد النظر يستبين حركتها، مادامت ترتسم خلف التاريخ السياسي
الشامل في شكله التقليدي".

ذلك أن التفتيش التربوي سيرورة "خطاب"
يلتقي فيه النص بالممارسة، السلطة بالمعرفة، الإرادة بالإكراه، الرغبة
بالقانون، الفعل بالمقاومة، النسق بالنسق المضاد، التقليد بالتحديث. كل
هذا يجعل الخطاب المعين يرتكز على مجموعة من الفرضيات المتنامية
والمتقاطعة والمتقطعة حول الاختيارات والقرارات والقوانين المؤسساتية
والتوجهات التعليمية والمنظومات التربوية والعبارات الوصفية والتقييمية.

ولا بد هنا من اكتشاف الانفصالات والعتبات
والتقطعات الداخلية للخطاب، فضلا عن تقدير المسافات الفاصلة بين النصوص
والممارسات، وتشخيص تطابقاتها وتناقضاتها الخفية.

بهذا يصبح كتاب "الدليل" عقدة داخل شبكة،
وبالتالي وحدة خطابية تعوض الوحدة المادية، إذ خلف العنوان، والأسطر
الأولى للتقديم، والكلمات الختامية؛ وخلف بنيته الباطنية، وشكله الذي يضفي
عليه نوعا من الاستقلالية والتميز، ثمة منظومة من الإحالات إلى نصوص
ووثائق ومرجعيات تبحث عن صياغة قانون توزعها، وتحليل أنماط ظهورها وتحولها
في انبثاقها المتآني أو المتعاقب. وكذا وصف توحدها وافتراقها، تسلسلها
وتراصفها، وتناقضها إن لزم الحال.

ومن ثم فإن متن الكتاب يغطي حقبة تاريخية
هامة، تبدأ بمذكرة "تنظيم اختبارات شهادة الكفاءة التربوية، المؤرخة
بتاريخ 20/12/1972"، وتنتهي بمذكرة "مسطرة تقويم وإقرار رجال الإدارة
التربوية، المؤرخة بتاريخ 04/02/1992". وهذا الفضاء الزمني الدال يضفي
ملاءمة مقبولة على النصوص والوثائق الملتقطة لحركية التفتيش التربوي،
لبنيته وتبنينه (
structure, structuration).
فضلا عن الإمكانات والآفاق التي يفتحها بصدد وصف وتصنيف وتقييم المدونة
المصطلحة الموظفة: التفتيش، التفتيش التربوي، جهاز التفتيش، هيئة التفتيش
التربوي، المراقبة التربوية، الإشراف التربوي، هيئة التأطير والمراقبة
التربوية. هذا، إضافة إلى تسميات/مصطلحات أخرى متداولة نسبيا خارج الدليل:
الإرشاد التربوي، التفقد التربوي، التعهد التربوي.. وجميعها تشي باختلاف
في التصور والممارسة، بحيث تعبر عن توتر دال التسمية وترحله من منظومة
لأخرى. وهو ما يتطلب إعمال النقد المعرفي والتاريخي والثقافي للتسميات
المتداولة قصد تفكيكها والكشف عن مرجعياتها ومقاصدها، وشروط انبثاقها
وتداولها. إذ فضلا عن أنه لا وجود للمفاهيم خارج التعريف المانع، فإن
المطلب العلمي يستدعي تشييد أو استحضار النسق النظري الحاضن للتسمية
المعتمدة؛ مع إقامة تصنيف يبرز موقع المفهوم ضمن المفاهيم المرتبطة به
والمنازعة إياه. ولا شك أن تسمية "التفتيش التربوي" هي التسمية الرسمية
والقانونية في حقل ممارستنا، وهي وافدة علينا من الأدبيات التربوية
الفرنسية، إضافة إلى أنها في وضع تنازع بين الإدارة والتربية، دون أن ننسى
استعمالها الحصري (التفتيش) والوظيفي في قطاعات أخرى تنتمي لتسيير الشأن
العام.

ومن البديهي أن يفضي هذا الانتقال
والتداول إلى كثير من الالتباس، إن لم يصرف أصلا عن الخصوصية النوعية
للمجال المستقبل، بحيث يحدث كسرا في الأنساق الداخلية والتماسك المفهومي
لشبكة الممارسة التي ننشدها. وبهذا أصبحنا أمام تسمية لها نسبها التاريخي،
وسيرورتها الثقافية، إذ في القرن التاسع عشر كانت هيئة "زوار المدرسة"
تراقب وتحرس، وتنجز تقارير سنوية عن كل ما يجري داخل المدرسة للتأكد من
مطابقة القوانين ومعاقبة المخالفين، ومن ثم قران المراقبة والمعاقبة بشكل
يستجيب لنظام المؤسسة المرتبط بالعالم الصناعي آنذاك. إلا أنه مع نمو
وتقوي النزعات الإنسانية في مجالات الفكر والسياسية والتربية، انبثقت
آليات جديدة للمراقبة والحراسة مبنية على مؤسسات أكثر مرونة، تقدم نفسها
بأشكال جديدة تدعو "للإرشاد" وتفعيل المنظومات التربوية، وتحسين
مردوديتها، وتجويد إنتاجيتها.. وهكذا مع السبعينات يتعرض التفتيش، خاصة في
فرنسا، لانتقادات عنيفة تمس تمثلاته ووظائفه، وذلك في سياق السعي لتفكيك
أجهزة المراقبة العليا والدنيا في البنية السياسية للمجتمع، وبالتالي في
سياق تفكيك مفهوم السلطة وتدفقاتها (التدفقات =
les flux). ومن ثم مراجعة مفهوم التفتيش ببنياته ووظائفه، لينتقل مع مطالع التسعينات، من مجال المحافظة وإعادة الإنتاج le reproduction، إلى مجال التحديث والملاءمة lapertinence….
وإذا كان "الدليل" قد اعتمد في عنوانه
تسمية "التفتيش"، فإنه منح أولوية الاختيار للمفهوم المهني والقانوني،
ربما في انتظار تبلور واستقرار مفهوم "الإشراف التربوي" المنتسب للأدبيات
التربوية الأنجلوساكسونية، والذي تبناه "الميثاق الوطني للتربية
والتكوين"، بعد أن تم تداوله في الملتقيات التربوية والجمعوية، والمجلات
المتخصصة (الرسالة التربوية، دراسات نفسية وتربوية، علوم التربية، المجلة
التربوية..) ومن الواضع أن إمكانية تبني هذا المصطلح المهاجر، تدعو إلى
التفكير في شروط الانتقال من بيئة ثقافية وتربوية إلى أخرى. ذلك أن ظهور
تسمية "الإشراف التربوية" يرجع إلى بدايات الثلاثينات بالولايات المتحدة
الأمريكية، إذ خرج من معطف الأبحاث الميدانية المشخصة لتناقص إنتاجية
العمال، بحيث أبانت النتائج عن الأثر الجيد للإشراف الإنساني على مردودية
العمال. وفي ضوء هذا المناخ تخلت الولايات المتحدة عن نظام التفتيش
التربوي بعد أن مكنت مديري المدارس من آليات الإشراف لتحسين مردودية
التعليم، وتدبير المؤسسة التربوية، وحذت حذوها دول عدة من بينها كندا.
وإذن "فالإشراف التربوي طريقة منهجية تسير وفق شروط معينة غايتها القصوى
علاقة المساعدة.. على اعتبار أن كل فرد له الكفاءة وإرادة النجاح وأنه
بإمكانه تجاوز كل المعيقات والصعوبات..".

هكذا، يبدو مفهوم "الإشراف التربوي" ضمن
السياق التربوي المغربي، فتحا جديدا وجذابا. غير أن المقاربات الثقافية،
وخاصة منها تلك التي اهتمت بانتقال النظريات، تجعلنا أكثر احتراسا، إذ أن
فتحا ما (وهو هنا تربوي) قد يتحول إلى كمين، إذا تناوله المستقبل بشكل
تكراري واعتباطي وبدون حدود. وقد ينقلب هذا التصور "الطليعي" في غياب
قوانين التمثل والتحيين إلى مجرد خطاب مرن، يخفي الممارسات التقليدية
الراسخة والمستقرة. كما أنه قد يصبح معرضا للمغالاة النظرية إن هم لم
يستجب للحركية والتغير، ولم يهتم بالتفاصيل والمقاومة والحدود.

ذلك أن كل نسق ينتج نسقا مضادا، والمقاومة
هنا دالة مرتبطة بالخطاب "التفتيشي" أو "الإشرافي". إذ لا بد من التمييز
بين التصور والوعي النقدي، بحيث يتم تناول التصور في الزمكان الذي نشأت
فيه، على أساس أنه جزء منه، يعمل داخله ولأجله، كما يتجاوب معه. وبناء
عليه يمكن قياس المكان الأول على الأمكنة اللاحقة التي يظهر التصور فيها
ويستعمل. فالوعي النقدي هو الوعي بالفروقات القائمة بين الأوضاع.

هكذا نعي بأن الفائدة العلمية "للدليل"
تنقلنا من عالم الوثائق والأرشيف إلى عالم السلطة الرمزية وعالم المؤسسة،
بشكل يحفز على البحث في العلائق الموجودة بين المعرفة والسلطة. هذا
الثنائي المتجاوب والمنتج، الذي تناوله بالدرس والتحليل الباحثون الجدد في
نظرية الخطاب: ميشال فوكو، بيير بورديو، إدوارد سعيد، جاك ديريدا، جاك
دونزيلو.. والذين قدموا بناء نظريا ومنهجيا مفيدا في تحليل الخطابات
التداولية (النفعية، الذرائعية)
discours pragmatiques، تلك التي تعتمد على تأويل النصوص "السلطوية" باعتبارها فعلا للغة actes de parole،
أو باعتبارها متتالية من أفعال اللغة كالأوامر والوعود والتأكيدات
والتنبيهات والطلبات والتحريضات والترغيبات.. وجلي أن هذه المقاربة
التداولية لمتن الكتاب (أو لمدونته) تغتني بالمعالجة المعرفية المستحضرة
للمواقف والمعايير والقيم. وكذا للمعالجة المركزة على السياق الاجتماعي،
أي تلك التي تدرس النص والوثيقة في التفاعل وفي المؤسسة، بما هي سياق
اجتماعي أكبر، يقتضي التأثير والتموقع ووضع الاستراتيجيات.

كل هذا يتوفر في الانفتاحات المعرفية التي
يسمح بها هذا الدليل التوثيقي والتأريخي، الذي يدفع بالفعل إلى قراءة
مغايرة "للخطاب التفتيشي" بما هو نسق له بنياته الموضوعية والذاتية. له
كليته وتحولاته وتنظيماته الداخلية، وضبطه الذاتي. وعلى هذا النحو تلتزم
المقاربة النسقية اعتبار التفاعل الحاصل بين بنيتين مفارقتين ظاهريا:

البنية الموضوعية بما تتضمنه من تشريعات
وقوانين منظمة. والبنية الذاتية بما تختزنه من مواقف وسلوكات ومقاومات.
وإذا كان الأستاذ الباحث عبد الله الأشقر (وهو متخصص في المجال)، قد تبنى
هذا النوع من المقاربة في بحثين أكاديميين، فإننا من جهتنا نضيف الملاحظات
التالية:

ـ إن اعتبار التفتيش التربوي نسقا، يعني
مراعاة البنية والوظيفة في آن، إذ من شروط النسق أن يظهر بنية داخلية، وأن
يحد بحدود ثابتة نسبيا، بحيث يمكن أن يتعرف عليه الفاعلون ويحددون، كما
يجب أن يقبل من المجتمع ويؤدي فيه وظيفة لا يؤديها نسق غيره.

فالنسق المدروس يحتوي بهذا المعنى على
ثلاثة أنساق صغرى: لسانية وتربوية وقانونية. وكل نسق يتفرع إلى مكونات،
تنشطر بدورها إلى عناصر وتجليات. وهكذا يغدو الاستقلال شرطا أساسيا لتشكل
النسق بالقياس إلى غيره، إلا أنه ليس مستقلا تماما عن النسق الثقافي
(بالمعنى الواسع). وهو ما يحفز على تجريب مقاربة أخرى موازية، هي المقاربة
"الثقافية" التي ترى أن الخطاب التربوي، قد يكون أحيانا أقوى من الخطاب
السياسي، وأكثر إيديولوجية منه. وهو ما يستدعي اعتبار المحيط الثقافي شرطا
لكل تفكير، إذ لا تفكير متحرر من كل إرث. وكل تفكير لا بد أن تتجاذبه سلطة
التقليد وتوقعات المستقبل. وبهذا المعنى يصبح "التفتيش التربوي" محمولا
لموضوع هو النظام التربوي/الثقافي، خصوصا في المجتمع التقليدي الذي لا
يقيم العمل عبر الفائض الرمزي، بل يكاد يعتبره جزءا من اليومي، ونمطا
للبداهة.

ومن ثمة فلا مناص من دراسة التمثلات، والعلاقات التواصلية والقيم الإنسانية، إضافة إلى الإرغامات والإيحاءات اللغوي والرمزية.
ويجدر الإلماع، إلى أن نسق التفتيش
التربوي الراهن (من منظورنا)، نسق مفرط الانفتاح؛ ومن وجهة نظر احتمالية،
يكمن المأزق الذي يتهدد النسق المفتوح بإفراط في امتناع أو تخوف وسطه
المباشر من تزويده بالعناصر الضرورة لصيانته وإنمائه. ومن هنا ضرورة
الإغلاق العلمي والمشروط لنسق التفيش التربوي، من خلال حصر حقل اشتغاله
وتكوينه، وتشييد بنائه النظري عبر بحوث متخصصة ودقيقة، تنتبه للبنيات
الداخلية والدالة للسيرورات والوظائف المحددة والملائمة، ولأشكال التوتر
والمقاومة. هذا إضافة إلى مقاربة التحول المفاهيمي لحقلي التصور والممارسة
تعاقبيا وتزامنيا. إذ لكل بناء مفاهيمي أسلوبه في تقطيع الظواهر وتنظيمها
وتصنيفها، ولا يتم ذلك دون اختزال وإقصاء، كما لا يتم دون فهم لما في
الممارسة ومحاولة تغييرها في أفق متعدد الأبعاد. ينضاف إلى هذا التجديد في
التناول العلمي للخطاب المدروس، الانتباه التيقظ إلى تلازم وتداخل
"الجديد" و"القديم" في الممارسة، لأن الأفكار والتصورات لا تنشأ من فراغ،
إذ يفترض كل فهم فهما سابقا تولد عنه وتجاوزه. ولهذا فمن المتعذر بيان
الحدود التي ينتهي عندها التفتيش التربوي التقليدي، ويبتدئ عندها التفتيش
التربوي الجديد (أو التحديثي)، لأنهما يشكلان وحدة متداخلة في هذه الفترة
الانتقالية لمهنتنا. ومن ثم فلا مجال للحديث عن ما يمكن تسميته بالقطيعة
البيداغوجية بين التصورين: (التفتيش/الإشراف)(؟). وهو ما يدعو إلى اقتراح
نعت "الإبدال" بدل "القطيعة" لتأويل وتفسير الإنتاج "الإشرافي" الذي برز
لدى فئات من الممارسين في السنوات الأخيرة. فلربما سمح هذا النعت المقترح
باستيعاب النقاش الدائر راهنا حول بنيات الممارسة ووظائفها، وهو نقاش
تحركه وتؤطره بواعت وسياقات ومقاصد متباينة، تتعذر الإحاطة بها في هذا
المقام.

وإذا كان كتاب الدليل قد اختار تسمية
"التفتيش التربوي" لاعتبارات مهنية وقانونية (كما أسلفنا)، فإنه قد يكون
انتبه أيضا إلى نجاعة ومردودية التركيب بين (التفتيش) من جهة والتربية) من
جهة أخرى، بحيث نقل الترابط من مستوى العلاقة العاطفة (التفتيش والتربية)
إلى مستوى العلاقة الواصفة (التفتيش التربوي)، مولدا بذلك وحدة موضوع
الكتاب ومادته، مضمنا التفاعل بين الحقلين تزامنيا وتعاقبيا باتجاه
السيرورة الحاملة للذات والزمان والمكان والموضوع.

ولا يمكن لتصور كهذا، أن يفهم علميا إلا
في ضوء الحاجة الراهنة والأكيدة إلى بناء بحوث متخصصة، تجاوز المعرفة
العفوية، والتصنيفات والتسميات المتسرعة، والنقاشات غير المحترفة،
والإشكالات الزائفة المسندة بتصورات غير نظرية أو غير ملائمة. ذلك أن
الإطار النظري لا يكون ملائما أو مقبولا، إلا إذا كانت نتائجه قابلة
للتقرير
décidable،
مفحوصة تجريبيا. فالخوف من النظرية بدعوى الاهتمام بالممارسة فقط يؤدي
بالضرورة إلى الاعتباط في مجال الفعل، وكذلك في مجال المعرفة، وكذا إلى
الوقوع في كمين البداهة.

فتقدم المعرفة بموضوع "التفتيش التربوي"
يستدعي تحديد المفاهيم والطرائق والمعالجة المستمرة، المهتمة في آن
بالنتائج التي يتم الوصول إليها، وكذا مراعاة الصعاب والعوائق التي يحصل
التغلب عليها وفق رؤية تنسيبية ترى في منهجية البحث تجربة ظرفية، إذ
التجربة أيضا تتغير. فالحركة دائمة في عالم ليس فيه راحة، على حد تعبير
الفيزيائي ماكس بور
Max Born.
والمعطيات والوقائع لا تكون لها دلالة إلا بالنسبة لإشكالات محددة ومبنية،
ومتطورة. غير أن طرح التجاوز من أجل التجاوز فحسب، قد يكون في بعض الأحيان
من أخطر العوائق المعرفية نفسها، بل قد يخرج الأبحاث من الدائرة العلمية
كلية. بهذا يكون كتاب (الدليل) دعوة للأفق العلمي المنتج، من حيث إن مؤلفه
الأستاذ إبراهيم الباعمراني خبير مهني، وباحث تربوي، يدرك أهمية ومردودية
وضع دليل توثيقي وتأريخي وتركيبي، ينتظره الحقل التربوي بالمغرب، إذ من
المفروض أن يشكل مدونة للإنشاء بحوث منتجة ومتخصصة تقارب موضوع "التفتيش
التربوي" نظريا وتشريعيا وميدانيا. وإذا كان الكتاب يراهن لاعتبارات مهنية
وتنظيمية على المطلب التشريعي أساسا، فلأنه يشكل الحقل القانوني المنظم،
من جهة تحديد المهام والواجبات والمسؤوليات، والحفز على التفكير في تحيين
النصوص، وتطوير التشريع، ووضع البدائل التنظيمية. وجميعها بواعث ومقاصد
عبر عنها المؤلف في تقديمه للكتاب، كما عبر عنها في التقديم العام "لندوة
الإشراف التربوي بين التنظير والممارسة، البيضاء، 1994".

"دليل التفتيش التربوي" إذن، نصوص تتعدد
أشكالها وأنماطها وسياقاتها ومقاصدها. ومن ثم يكون التمهيد لها وتصنيفها
وتوثيقها بالمرجعيات والهوامش، إضافة إلى التركيب بينها بما يفيد الوصف
والتقييم والتأريخ. كل هذا يكون رهانا على المواقع والعناصر والبناءات.
وباختصار يكون عملا منظما ومبنينا ومحولا، يتيح الاستدلال والإقناع
والملاحظة، وكذا المزاوجة بين الاستقراء والاستنباط. فلربما كانت هذه
الملاحظات وعناصر التفكير وغيرها، ما يجعل من قراءة واستثمار كتاب
"الدليل" مشروعا لاشتقاق بحوث مفيدة ومنتجة، ومساءلة كثير من التصورات
والنظرات المهتمة بالموضوع.

_________________





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://educsud.ahlamontada.com
 
شرح دليل المفتش التربوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الجنوب التعليمي :: الفئة الثانية :: المنتدى التربوي :: قسم تكوين المعلمين والأساتذة-
انتقل الى: